ذ.كريم عسكري

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبة ومن والاه الى يوم الدين اما بعد أصالتا عن نفسي ونيابة عن مسلمي ايسلندا اتقدم بأسمى آيات الشكر والعرفان الى المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة وكل القائمين عليه، والشكر موصول الى كل المشاركين في هذه الندوة المباركة من مشايخ وعلماء ودكاترة وباحثين كل باسمه وصفته.
في كل يوم تزداد التحديات التي تواجه الدعوة والدعاة في اوروبا تعقيدًا، ولا شك أن هذه التحديات تمثل عبئًا ثقيلاً على الأئمة والدعات و تعيقهم عن أداء رسالتهم،لأنهم الركيزة الأساسية في نشر الوعي الذي تبحث عنه الأمة، والرجوع إليهم في القضايا المتعلقة بالإسلام و أن الائمة والعلماء هم من يُنتجون الخطاب الديني،و نجاح الأئمة والدعات في وظائفهم هو نجاح لمن حولهم. ، ومن ثمة وجب علينا دعمَهم حتى يؤدوا دورهم على أحسن وجه و أن نُوفر لهم الوسائل التي يستطيعون معها ممارسة الدعوة دون الانشغال بهموم الحياه ،ولاكن واقع الائمة في معظم البلدان الأوروبية يواجه تحديات كبيرة .فان الكثير من المسلمين ينتظرون من شخصية “الإمام”،الكثير فهو الإمام والمربي والمعلم والمصلح الإجتماعي والقاضي و العدل ومُطلوب منه كذلك أن يُؤدي دورا أساسيا في اندماج المسلمين،غير أن المشكلة الجوهرية أن وظيفة الإئمامة في نظري لا تجد أي اعتراف أو تقدير من الكثير من المسلمين وكذلك من الناحية الرسمية لا توجد وظيفة الإمامة في الكثير من البلدان الأوروبية موازاتا مع الاديان الاخرى . وهذا معناه أن عدم الإعتراف بهذه الوظيفة بالشكل المناسب سوف يقف سدا منيعا أمام تطورها ورقيها.وهنا نثير تسائلا جوهريا هل الإمامة وظيفة أم شكلا من أشكال العمل التطوعي.
هناك مجموعة من النخبة المسلمة في أوروبا يدركون حقا ما يستحقه الإمام ويدركون أن الإمامة وظيفة، ويدركون جيدا مشاكل وتحديات الوضعية القانونية الهشة التي يتخبط فيها الكثير من الأئمة اللذين يتلقون أجورا هزيلة، ولا يتمتعون بالتغطية القانونية،وهذا ما ظهر جليا خلال تفشي جائحة كورونا وما ترتب عليها من إغلاق المساجد وأصبح راتب الإمام عبأ ثقيلا على إدارات المساجد، لذا فإنهم يطالبون بضرورة تحسين وضعية الإمام الاجتماعية والمالية والقانونية التي تُعتبر تحديا مهما أمام المسلمين الأوروبيين.
وهناك مجموعة أخرى ترى أن الإمام مجرد متطوع.معلوم عندهم أنه لا يجوز له التعاقد على الإمامة والتأذين بعقود قانونية يبرز ما له وما عليه و تضمَن له الحق القانوني ، فهما في نظرهم عبادتان يتوجب فيهما الإخلاص لله وابتغاء الأجر والثواب منه تعالى. غير أنه في خضم هذه الرؤية ينطوي جزئيا السبب الذي يقف وراء تردي الوضعية القانونية للإمام. لأن النظر إلى مسألة الإمامة إنطلاقا من وظيفة وعمل تطوعي يختلف جذريا عن إعتبار الإمامة مجرد عبادة لله تعالى. كما أن الرأي الذي يرى بأن الإمام يجب أن ينال أجرا ماديا منخفضا قد يكون له نوع من التأثير،ويبررون ذلك بأنه سيتم مكافأته بأشياء أخرى كالمكانة الإجتماعية والثواب في الآخرة وبعض الصدقات والهبات من المصلين.
ويلعب منطق الكثير من اللجان المسيرة للمساجد والمراكز الاسلامية دورا في ذلك. إذ أن الأجور التي يقدمونها للأئمة لاتتوافق ومعايير قوانين العمل في اوروبا. حيث معدل الأجور يقترب من الأجر الأدنى لذلك فإن أقصى ما يمكن أن يتلقاه الإمام لا يتجاوز الأجر الأدنى المعمول به. بل أن الإمام غالبا ما يتلقى أقل بكثير من ذلك، وإذا أخذنا بعين الاعتبار بأنه لا يتلقى أي تعويض عن العطلة، وليس لديه تأمين على البطالة والمرض والتقاعد. لاكن تبقى هذه الأراء متواجدة و حقيقية تاثر على الرقي بوظيفة الائمام.
وفي رئي المتواضع وحسب تجربتنا في وقف أيسلندا الإسلامي. لا يمكن الرقي بوظيفة الامام الا اذا استقام وضع المؤسسات الاسلامية الأوروبية ولا يمكن أن تتوفر البيئة الصالحة للإممام الا إذا إنتقل العمل الإسلامي من العمل الفردي والتطوعي والتلقائي إلى العمل المؤسسي، الذي يقوم على أسس ولوائح ويخضع تماماً للقوانين الأوروبية، وتسجيل العقارات والمساجد والمراكز الإسلامية على شكل أوقاف وفق قوانين البلدان التي يقيمون فيها وكذلك إنشاء موارد وأوقاف تدير مداخيل قارة لدفع راتب الإمام والمصاريف اليومية وبرامج التواصل الحضاري ولكي تكون عندنا إستدامة مالية ترقى بنا الى الإستغناء عن مايطلق عليه إسم الشرط او الرسوم الشهرية فهذه الموارد هي التي تجعل من بعض العامة التطاول والاستهزاء بالائمة وخاصة في المصليات واستبدالها بصناديق التبرعات الاختيارية.
وفي الجانب الثاني يتوجب أن يرقى الأئمة إلى مستوى الأجيال الجديدة والسياق الذي يعيشون فيه. وهذا الجانب يحتاج في تنميته إلى جهد مؤسسي يدرك أهمية تنشئة الداعية تنشئةً تجعله قادرًا على حمل الدعوة والانطلاق بها؛ فينبغي أن يمر الداعية بعدد من الدورات الاجتماعية والنفسية والإدارية، والإعلامية، والسياسية والرقمية؛ بحيث يكون قادرًا على الوقوف على حقيقة ما يدور حوله، وكيف يُنمي فكره وقوله وتصرفه تجاه المواقف التي تواجهه في وظيفته.و يسبق هذا كله الزاد المعرفي،و النوازل الفقيه المعاصرة وفقه الواقع والخروج من فقه الضرورة الى فقه المواطنة واتقان لغت البلد و التمتع بالمظهر الوسيم. وهذه الصفات هي من أهم المتطلبات التي ينبغي أن تتوفر في كل من يتقدم لهذه الوظيفة (الإمام). فإذا تبنينا هذه المبادئ التوجيهية، فهذا يعني بوضوح تام أننا أمام وظيفة قائمة بذاتها وأننا سوف نحصل على أئمة في المستوى المنشود وعلى بيئة مثاليه تتماشى مع الرسالة السامية التي يحملونها للانسانية.

ومن هذا المنبر اناشد المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة مشكورا أن يكون له السبق في خضم الأحداث الأخيرة في عدد من الدول الأوروبية أن يأسس مركزا معتمدا لتكوين الائمة في اوروبا على غرار معهد محمد السادس لتكون الأئمة المرشدين والمرشدات ليكون له السبق ويكون جاهزا للقرارات التي سيتبناها الاتحاد الاوروبي مستقبلا في منع استقبال الائمة من الخارج.وكذلك تشججيع المؤسسات الاسلامية على تقديم طلبا لبرلماناتهم للاعتراف بالدين الإسلامي وهذا ما قمنا به في وقف ايسلندا والطلب يعاد كلما انتخب برلمانا جديدا ومن الله العون والتوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .